صديق الحسيني القنوجي البخاري

117

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ قيل إن المخاطبين بهذا هم المؤمنون وقيل اليهود لما عاقهم عن الإيمان الشره وحب الرياسة فأمروا بالصبر ، وهو الصوم لأنه يكسر الشهوة ، والصلاة لأنها تورث الخشوع وتنفي الكبر ، وأفرد الصلاة بالذكر تعظيما لشأنها ، والمعنى استعينوا على حوائجكم إلى اللّه وقيل على ما يشغلكم من أنواع البلايا ، وقيل على طلب الآخرة بالصبر . والصبر في اللغة الحبس والمراد هنا استعينوا بحبس أنفسكم عن الشهوات وقصرها على الطاعات ، على دفع ما يرد عليكم من المكروهات ، وقيل الصبر هنا هو خاص بالصبر على تكاليف الصلاة وأداء الفرائض ، واستدل هذا القائل بقوله تعالى : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها [ طه : 132 ] وليس في هذا الصبر الخاص بهذه الآية ما ينفي ما يفيده الألف واللام الداخلة على الصبر من الشمول ، كما أن المراد بالصلاة هنا جميع ما يصدق عليه الصلاة الشرعية من غير فرق بين فريضة ونافلة ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة « 1 » . وعن ابن عباس أنه نعي له أخوه قثم وهو في سفر فاسترجع ثم تنحى عن الطريق فصلى ركعتين أطال فيهما السجود ثم قام إلى راحلته وهو يقول وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وقد وردت أحاديث كثيرة في مدح الصبر والترغيب فيه والجزاء للصابرين ، ولم نذكرها ههنا لأنها ليست بخاصة بهذه الآية ، بل هي واردة في مطلق الصبر ، وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور ههنا منها شطرا صالحا ، وفي الكتاب العزيز من الثناء على ذلك والترغيب فيه الكثير الطيب . وأخرج أحمد وأبو داود وابن جرير عن حذيفة قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ، وأخرج أحمد والنسائي وابن حبان عن صهيب عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « قال كانوا يعني الأنبياء يفزعون إذا فزعوا إلى الصلاة » « 2 » ، وعن ابن عباس أنه كان في مسير له فنعى إليه ابن له فنزل فصلى ركعتين ثم استرجع فقال فعلنا كما أمرنا اللّه تعالى وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وقد روي نحو ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين . واختلف المفسرون في مرجع للضمير في قوله : وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ فقيل إنه راجع

--> ( 1 ) أخرجه بنحوه النسائي في المواقيت باب 46 ، وأحمد في المسند 1 / 206 ، 268 ، 280 ، 5 / 388 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 333 .